القرطبي
106
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
أقام على باب المسجد حرسا يجزون ناصية كل من لم يفرق شعره . وقد قيل : إن الفرق كان من سنة إبراهيم عليه السلام ، فالله أعلم . الرابعة عشرة - وأما الشيب فنور ويكره نتفه ، ففي النسائي وأبي داود من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا تنتفوا الشيب ما من مسلم يشيب شيبة في الاسلام إلا كانت له نورا يوم القيامة وكتب الله له حسنة وحط عنه خطيئة ) . قلت : وكما يكره نتفه كذلك يكره تغييره بالسواد ، فأما تغييره بغير السواد فجائز ، لقوله صلى الله عليه وسلم في حق أبي قحافة - وقد جئ به ولحيته كالثغامة ( 1 ) بياضا - : ( غيروا هذا بشئ واجتنبوا السواد ) . ولقد أحسن من قال : يسود أعلاها ويبيض أصلها * ولا خير في الأعلى إذا فسد الأصل وقال آخر : يا خاضب الشيب بالحناء تستره * سل المليك له سترا من النار الخامسة عشرة - وأما الثريد فهو أزكى الطعام وأكثره بركة ، وهو طعام العرب ، وقد شهد له النبي صلى الله عليه وسلم بالفضل على سائر الطعام فقال : ( فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام ) . وفي صحيح البستي عن أسماء بنت أبي بكر أنها كانت إذا ثردت غطته شيئا حتى يذهب فوره وتقول : إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( إنه أعظم للبركة ) . السادسة عشرة - قلت : وهذا كله في معنى ما ذكره عبد الرزاق عن ابن عباس ، وما قاله سعيد بن المسيب وغيره . ويأتي ذكر المضمضة والاستنشاق والسواك في سورة " النساء ( 2 ) " وحكم الاستنجاء في " براءة ( 3 ) " وحكم الضيافة في " هود ( 4 ) " إن شاء الله تعالى . وخرج مسلم عن أنس قال : وقت لنا في قص الشارب وتقليم الأظفار ونتف الإبط وحلق العانة ألا نترك أكثر من أربعين ليلة ، قال علماؤنا : هذا تحديد في أكثر المدة ،
--> ( 1 ) الثغامة : نبت أبيض الثمر والزهر ، يشبه بياض الشيب به . ( 2 ) راجع ج 5 ص 212 . ( 3 ) راجع ج 8 ص 262 ( 4 ) راجع ج 9 ص 64 .